الثعالبي

99

لباب الآداب

تستطيع الحَفَظة حِفظه ، يُحصي الحصى قبل أن يُخصى ، قد استغرقت القرطاسَ قبل الأنفاس ، وأفنيت الأعمار قبل الأعصار ، ولم تبلغ المِعشار ، واستنفدت الأقلام قبل الكلام ، ولم تبلغِ التمام . وَصْفُ القلَة ووصفُ قليلٍ من كثرة لو كان ذلك شَظيّة في قلم الكاتب ، لما غيَّرت خطه ، أو قذى في عين النائم ، لما أنبه جَفنه ، ذاك أقل من لا ولا ، ومن الجزء الذي لا يتجزى قطرة من سَحّ ، وغَيض من فَيض ، ورَذاذ من وَبْل ورَشَاش من سَجْل ، وشَررَة من نار ، وقراضة من دينار ، ذاك قطرة من نَهَر ، ووَشَل من بَحْرٍ . وَصفُ الجدِّ والهزلِ جميعاً جدّ كعُلوّ الجدّ ، وهَزْلٌ كحديقةِ الوردِ ، جدهُ كحدِّ الصارم ، وَهَزلهُ كزورة الحبيب الصارم ، جدّهُ كجدِّ الحازمِ الموقورِ ، وهَزْلُه تساقط اللؤلؤِ المنثور ، جدُّهُ عنوانُ الحِكمة ، وهَزْلُهُ جلاءُ المودَّة ، جدُّهُ يروق ، وهزله يشوق . ذِكْرُ الشيءِ المتعذر الوجود قَدْ عَز وأعوز وأعجز ، ذاك أبعد من النجم مَرْقباً ، وأصعب من كل صَعْبٍ مَطلباً ، ذاك صعبٌ مرامُهُ ، دَحض مُقامُه ، ذاك معجز عمر النشور ، وإلى يومِ النُّشور . قد أعوز حتى كأنه الوفاءُ والكرمُ ، والغرابُ الأعصمُ ، ناطَه بالعَيوق ، ووضعه موضع بيضِ الأنوق دون ذلك شيب الغراب ، وإرواء الشَراب .